خسرنا معركة انتخابية وربحنا حرباً كلامية


http://www.nohra.ca/Writers/Mechael%20Mamo/0003.htm

   بقلم: ميخائيل مـمّـو / رئيس تحرير مجلة حويودو


بالأمس القريب وبناءً لأرادة المواطن الرافديني ودعم الأدارة الأمريكية ـ  لغاية في نفس يعقوب ـ  خاض الشعب العراقي ولأول مرة على مدى تاريخه الأستقلالي كدولة ذات سيادة وفق دستوره المؤقت ، تجربته الأولى في مجال الأنتخابات الديمقراطية العامة على ضوء مفاهيم المفوضية العليا  للأنتخابات والشروط التي املتها بناءً للقوانين والأعراف الدولية ، وبموجب أحدث المعايير في مجال اجراء الأنتخابات العامة بتوصية الأمم المتحدة ، تماشيا مع قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية وقانون الاحزاب والكيانات السياسية وقرارات مجلس الامن الدولي ذات العلاقة من خلال تسمية وتعيين المراقبين الدوليين ولجان التنسيق من ممثلي الأحزاب الوطنية العراقية داخل القطر وخارجه وبإشراف المفوضية العليا كونها هيئة مستلقة غير حزبية.

ان هذه الديباجة الزاهية المضمون التي تنم عن الخطوات الأولى لخوض التجربة الأنتخابية  الحديثة ، آنست الأفئدة، وهزت المشاعر ، والهبت ألسنة الخطباء ، وحركت أقلام الأدباء والشعراء للأشادة بذلك من أجل حرية الفرد العراقي وتمتعه بديمقراطية الرأي مهما كانت انتماءاته العقائدية والأثنية والدينية ، متيقناً من انه صاحب القرار في رسم واعداد وإقرار مواد دستور العراق الدئم ، وكأنه جزء من ادارة دفة الحكم ضمن الجمعية الوطنية المتمثلة بالبرلمان.  وفي الوقت ذاته ومع هذه الأحاسيس والمشاعر شاركت الطبيعة هذه الرؤى حيث تلألأت النجوم الحزينة في سماء بلد الرافدين ، وانطلق النهران الخالدان في جريانهما بتباشير من الفرح ، واستبشر النخيل بتحرره من قيود التلوث ، وانتفضت الأرض من جثث الأبرياء ، وزغردت النساء ومنهن الأرامل بدموع من الحزن والفرح على ملاقاة رفات من فقدن لعقود متتالية ، وكأنهن ولدن من جديد بمعرفتهن للحقائق والوقوف على آثار الجرائم المخفية التي زرعت الرعب والآلام والحيرة الدائمة في كل بيت عراقي لم يمتثل لسياسة التعسف والحزب الأوحد.

ان هذا الدرس التمهيدي الأول للأنتخابات سرعان ما بثّ مسحة الفرح في نفوس من زال عنهم كابوس كتمان السر، وسرعان ما خيب آمال الكثيرين ممن كانوا يتمنون خيراً من هذه التجربة ، ناهيك عن الولوج في تفاصيل ما حدث من تصرفات متعمدة ، وخطط مبيتة ، وأساليب لا تتفق ونصوص تعليمات المفوضية بدلالة ما آلت اليه النتائج المخيبة لآمال شرائح عديدة من المجتمع العراقي المتمثلة بكياناتها السياسة أو من تآلف الأحزاب ، مكتفياً بعرض بعض المفردات التي تكشف الحقائق والتي تعني أكثر من فحواها  ، ولا تخفى على أحد ، طالما تزامنت مضامينها مع الوقت الزمني للعملية الأنتخابية ، كالتجاوزات ، التزويرات ، التهديدات ، المخالفات ، الخروقات ، التهميشات وغيرها. وبشكل خاص في مناطق سهل نينوى من القرى والمدن التي غالبية سكانها من الآشوريين والكلدان والسريان ، وليس أدل على ذلك من مذكرات الأحتجاج التي تم تحريرها ونشرها وإيصالها للجهات المعنية في العراق والشتات ، وتجاوب جاليات المهجر بدعمها واسنادها من خلال مسيرات سلمية ومظاهرات جماهيرية واسعة ، وبأعتراف المفوضية العليا رسمياً دون اتخاذ أي قرار ايجابي لرد الأعتبار وإزالة الغبن وطمأنة الجماهير المتعطشة التي حرمت عليها هذه التجربة وسلبت حقوقها وبالتالي تأثيرها المباشر على العديد من الأحزاب والكيانات السياسية من حق نسبة التمثيل الشرعي في الجمعية الوطنية لصياغة الدستور وتشكيل هيكل الحكومة المتآلفة.

ان هذا الخطأ الفادح لم يثني من عزيمة ممثلي قوائم أبناء شعبنا الأنتخابية ، ولم تجعل السلبيات من شارة اليأس مسلكاً لها ، طالما استبشروا خيراً من جالياتنا في البلدان التي تأمّها ، وبمعادلة حسابية مقنعة من حيث زخم الكثافة السكانية، ومن دون أن يضعوا في حسبانهم بما هو شبيه لما جرى على أرض الواقع من خروقات ، حيث حُرم الكثيرون من حق التصويت بسبب عدم تواجد المراكز الأنتخابية ، ولأسباب أخرى وعديدة لا يمكن حصرها هنا ، طالما تناولتها وكشفت النقاب عنها وسائل الأعلام السمعية والمرئية والصحافة المحلية والعالمية وشبكات الأنترنيت بصراحة تامة واسهاب مستفيض الى جانب سجال الحرب الكلامية في العشرات من غرف الشبكات الألكترونية على مدار الفترة الأنتخابية ليلاً ونهاراً.

على أية حال إن ما يهمنا ويسترعي انتباهنا هو تللك الحالة المؤسفة التي توصلت اليها تنظيماتنا الحزبية وكياناتنا السياسة في زرع بذور الشقاق ، وانهماكها في المشاحنات السلبية ، والحلم في تحقيق مآربها ، وتأثير المتنفعين من المهيمنين على ضعفاء النفوس وتحريض فريق على آخر بحجة التسمية والأنتماء القومي والجذور التاريخية ، وزد على ذلك ما شئت مما لم يتجلى بوضوح للكثيرين ، وجعل الأمور تسري بما ذكرنا آنفاً ، وبالتالي ليصرخ كل فرد ما جدوى كل هذه التصرفات التي شتت الأصوات ، وفرقت بين القياديين ، وجعلت من المرشحين الخمسة يتأسون على ما فات ، وعلى أمل أن يلعنوا الماضي ويعلنوا سوية عبارة ما فات مات ، عساهم يتعضوا من هذه المأساة على مدى الشهور القادمة للتجربة الأنتخابية الثانية. وعساهم يعيدوا قراءة ودراسة التاريخ من جديد ، علهم يستدركوا ما آلت اليه أحداث الماضي القريب في زعزعة كياننا القومي من جراء السياسات الفردية والهيمنة العشائرية  والخلافات الشخصية وألاعيب الغرباء. وها نحن نعيد اليوم ذات الأخطاء والهفوات والملابسات.
اذن لتكن عبرتنا المستقبلية مستقاة من الحديث القائل " لا يُلسَع ( يُلدَغ ) المُؤمن من حُجر ٍ مرتين ". وأن لا نضع في حسباننا عملية الاخفاق في المرتين السابقتين كظاهرة لليأس والتناسي والتغافل.
اذن دعونا من منطلق هذا الأعتبار نتسامح بآسم المرة الثالثة تيمناً بقدسية شارة الثالوث المقدس ، ولتكن الغاية المثلى مستنبطة من رؤى الواقع ، لا من رؤى التخمينات التي تشوبها الشكوك والوساوس ، ليتم بالتالي خلق قيادة سياسية مشتركة كمرجعية أساسية تستلهم ثقة الشعب وليتسنى لها تحديد وتأكيد حقوقنا القومية ضمن المفهوم الوطني بما فيها الفيدرالية الجغرافية من خلال الدستور الدائم.


الموقع الفرعي  في نوهرا : ميخائيل ممو

mammoo20@hotmail.com

ارسل برايك الى كاتب المقال

Hit Counter

views and opinions expressed in guest editorials do not necessarily reflect the views and opinions of nohra assyrian media online.