بقلم نبيل يونس دمان
في عام 1994 نشرت في جريدة صوت الاتحاد الديمقراطي العراقي وبمناسبة
الذكرى الستين لتاسيس الحزب الشيوعي العراقي موضوعا بعنوان ( كنا اربعة ) تطرقت
فيه الى حياة الشهيدين الخالدين حكمت كيكا تومي وعابد يوسف مرادو ، وكذلك احطت
بحياة المناضل الثالث اخي وصديقي باسل الذي اختطفته يد المنون مساء الاحد
المصادف 10- نيسان 2005 بعد صراع طويل مع سلسلة الامراض التي فتكت بجسده ،
والتي ظل يقاومها بروح سمت بكل معاني الحب والتضحية والايمان بانتصار المثل
العليا التي آمن بها ، صارع الحياة رغم وهن عضلاته وتلاشي قوته ، ببصيرة ثاقبة
وقلب ظل ينبض لا يريد فراقها ، فرحل لينال الراحة الابدية التي افتقدها في
حياته التي كانت شقاءاً وبؤسا ً ، ولكنها مكرسة لانبل واشرف قضية ، ولتبقى
ذكراه خالدة ابدا ، اقتطف ما كتبته عنه عام 1994 :
(( في بداية 1980 ضاق باسل ذرعاً بالاوضاع القائمة ، واعتبر ما يقوم
به قليلاً وعليه ان يقدم اكثر ، فاسرع بحمل السلاح والالتحاق بفصائل الانصار
المنتشرة في جبال كردستان العراق ، فكان موضع ترحيب واعتزاز رفاقه ومضى في
تنفيذ المهام الموكولة اليه ، وبذل الجهود وفوق ما يتحمل جسده الذي لحقه الاذى
، فاضطر لمغادرة الوطن للعلاج . وودع من هم حوله بلحظات مؤثرة مذرفاً الدموع
وملتفتاً الى ارض الوطن التي يغادرها على امل العودة بعد الشفاء . انتقل باسل
من دولة الى اخرى ومن مستشفى الى آخر وتعقدت حالته الصحية اكثر فاكثر ، وجسمه
لم يعد يقوى على حمله . تكلست فقراته ووهنت اطرافه وهو في ريعان الشباب متحملا
آلامه وعذاباته ، متشبثاً بقوة الاستمرار والحياة التي وهبها صحته في سبيل حرية
الوطن وسعادة الشعب )) .
باسل الصفار المولود في القوش عام 1953 ، يصغرني بسنتين ، كنت اشاهده في
معمل والده المرحوم الياس الصفار ، يعمل ليل نهار وهو مغبر من قمة راسه حتى
اخمص قدميه ، بدقيق البـُر وبانواع المؤونة التي يجهد بأيديه الماهرتين توفيرها
قوتا ً لابناء بلدته والقرى المحيطة ، كان باسل لا يتوان وهو ابن صاحب المعمل ،
في حمل كل ما زاد وزنه ، بقوة ورشاقة ، واكتسب خبرة في الآلات التي يدار بها
معمل الطحين ، وقضى باقي اوقاته في الدراسة والمطالعة التي كان شغوفا بها ،
وبجانبه مكتبة اسرته التي كانت في السبعينات اكبر خزانة كتب في البلدة . في صيف
عام 1970 تعرفت على باسل عن قرب في محلة اودو القديمة وعلى سطوح منازلها التي
اضحت الان اطلالا ً ، هناك عرفته مؤمنا ً بقضية منحها جلّ وقته وكرس لها كل
حياته ، وبعد ذلك التقينا اكثر في جامعة الموصل للفترة بين 1973- 1976 ، كنت
اراه كتلة من الحماس والنشاط السياسي ، متعرضا ً باستمرار لاستفزازات البعث
ومنظمته البوليسية ( الاتحاد الوطني ) ، اذكر في عام 1974 كنا نسكن غرفتين في
بيت مقابل المجموعة الثقافية ، حيث سكن مع الزميل خليل الفيلي وانا سكنت مع
سمير لطيف الامين ، وفي احد الايام اصطدمت مع احد المرتزقة الاردنيين واسمه (
ناصر النمري ) ، فخرج الطلبة من الغرف على صياحه العالي ، وهو يقول ان
الشيوعيين يعتدون على بعثي ، تفأجات الحجية صاحبة البيت والجيران عندما تناهى
الى سمعهم ما يقوله الاردني ، فطردنا من بيتها ، وسكن باسل فترة في بيت مقابل
مقر الحزب في شارع النبي جرجيس ، اطلق عليه زملاءنا اسم ( الباستيل ) وقد ذكرني
به صديقنا المشترك ناصر عكله في موضوع رثائه لباسل المعنون ( رحيل قديس من هذا
الزمان ) ، وانا انتقلت الى منطقة الميدان الشعبية . وبعد حين استقر باسل في
احد الاقسام الداخلية في المجموعة ، وهناك ايضا ًتعرض الى استفزازات عدة من قبل
الاتحاد الوطني ، ومنع من ادخال جريدة " طريق الشعب " الى القسم ، ورغم ذلك اصر
على ادخالها ، وفي بعض المرات كانت تنتزع منه وتمزق ، هكذا وفي تلك الاجواء
فارقته لالتحق بالعسكرة الاجبارية بعد تخرجي عام 1976 .
عند اشتداد حملة التصفية على الحزب الشيوعي ، اختفى باسل فترة ثم عاد
للدراسة في قسمه الجيولوجي ، واصبحنا نلتقي نحن الاربعة مصممين على مواصلة
النضال ضد الدكتاتورية ، واصبح باسل بجدارة ينسق تجمعنا الذي ضم كما ذكرت
الشهيدين حكمت وعابد ، في احد الايام التقيت في الموصل مصادفة ، برفيق اسمه حسن
السماوي تخرج مدرسا ً عام 1974، كان متنكرا يحوم حول موقف باصات القوش قرب
البلدية ، تشجعت لاذهب واتكلم معه ، ومبعث ترددي كان شراء الاجهزة الامنية
للعديد من العناصر التقدمية للايقاع بالآخرين ، ولكوني لست مختفيا عن الانظار ،
ذهبت اليه ورحبت به ، فاختصر الكلام بالطلب ابلاغ باسل الصفار بوجوده في الموصل
، وانه ينتظره في المكان الفلاني ( شقة عدي ابن خالة د.مزاحم مبارك مال الله
) . عندما وصلت القوش ذهبت اخبر باسل بالموضوع ، فتحرك بسرعة ، وفي الاتجاه
الصائب ليصل رفيقنا حسن بعد مدة بسلام ، ملتحقا ً بمواقع الانصار الشيوعيين في
كردستان . لم يطل الوقت كثيرا حتى قرر باسل الالتحاق بالانصار فودعناه يوم 21-
3- 1980، وعندما كتب علي ان التحق ايضا يوم 26- 10- 1982 ، كانت المصادفة
الجميلة ان نلتقي في قرية " بازي " بمنطقة برواري بالا ، وكان برفقة القائد
توما توماس بعد عودتهم من منطقة سوران . في كلي ( وادي ) كوماته ، على الحدود
التركية عشنا معا ، اتذكر في اول يوم انتقلت الى غرفتي الجديدة بجوار مقر حركة
( كوك ) كان باسل رغم آلام ظهره التي ما برحت تلازمه ، قد عبأ كمية من الحطب ،
اقتطعها من الغابة المحيطة ، فحملها الينا لنلقم مدفأتنا السورية ، في ذلك
الشتاء القارس ، فكانت احسن هدية قدمها لي صديقي الذي اصبح اسمه في الانصار "
سعيد " .
في ايار 1983 ومباشرة بعد هجوم " بشت آشان " الغادر ، شن الجيش التركي
هجومه على مواقعنا ، اتذكر عندما اصبح الهجوم قاب قوسين او ادنى ، على كلي
كوماته ، تقرر ان ترحل العوائل الى مناطق اكثر امنا ً في العمق ، اما المقاتلين
فتاهبوا لمواجهة الجيش التركي ، في تلك الظروف الصعبة ، سمعت ابا جوزيف يطلب من
باسل ان يرافق العوائل في انسحابها ، فرفض واصر على البقاء ، وجهز نفسه بسرعة
ليرتقى احد المواقع متأهبا للمعركة ، ساظل اتذكر موقفه البطولي ما حييت . في
رحلة مغادرتي الى سوريا عبر تركيا كان باسل يرافقنا ويحيط اطفالي اهتماما ،
ومعه مجموعة مقاتلة توفر الحماية لرتلنا الذي ضم العوائل والمرضى وطلبة
الدراسات ، اتذكر استطلاعه لمكان خطر لا يبعد كثيرا عن قوة ناحية باطوفة لجيش
النظام ، وآخر فترة قضيناها معا كانت في وادي " كيشان " ، هناك بقينا اياما
نتحدث ونحن على اعتاب فراق دام قرابة (16) سنة ، في كيشان ايضا كانت فرصته ان
يلتقي بنصيرين من بلدة عنكاوا ( سربست و بختيار ) ، كان قد تعرف عليهم في فترة
سابقة في قاطع سوران .
استقر بي المقام في اليمن وتواصل اتصالنا بالرسائل ، ووصلتني اكثر اخباره
عن طريق فرقة الطريق التي غنت في سوريا ، ومن عضو الفرقة انذاك الصديق نبيل
فيليب البازي . عندما استقر في الدراسة في بلغاريا ظل يراسلني ، وفي احد الايام
وصلتني منه هدية لاطفالي ، وقد ظلوا على لسانه وخواطره ، لا سيما واني سميت
ابنتي الثانية ( ريلا ) عام ولادتها في 1981 بمبادرة منه ، وابنتي الكبيرة لينا
، كان دائما يناديها في كلي كوماته بطريقة فلاحية لطيفة للغاية ( لينـَو ) ،
ولا انسى عندما كان يقلد صوت راعي الاغنام من القوش ، يقف في بيادر محلة سينا ،
مناديا الشيوعيين ، بالقدوم وانقاذهم من قطعان البعث ، اولئك الغرباء عن المحيط
الانساني .
بعد استقراري في اميركا بعد عام 1990 ، واخي باسل في كندا ، صرت ارنو الى
لقائه بحرقة ، ولكن ذلك لم يتم الا في عام 1999 بعد حصولي على وثائق قبلت فيها
لاجئا في اميركا ، لن انسى وضعه الصحي الذي آل اليه ، وتعجبت كيف يعيش بذلك
الجسد المطروح على الفراش ، كان لا يستطيع مسك القلم او سماعة الهاتف ، وهو في
ذلك الوضع الذي لم ار شبيها له ، نهض يطالع ويكتب ويتفاعل ، ويبرز كاتبا وصحفيا
لامعا ، في مجلات وصحف محترمة مثل رسالة العراق ، المؤتمر ، المنتدى ، واخيرا
أكد التي منحها عصارة فكره ونضجه في المسائل الوطية والقومية ، فاصبح رئيسا
لتحريرها ، وهو يجهد ويسابق الزمن في التعبير عن افكاره التتقدمية وتطلعه لغد
اسعد لشعبه .هكذا قضت الايام ان نلتقي بين فترة واخرى هنا في اميركا او كندا ،
وكان آخر لقائي به قبل شهر وتحديدا يوم 6- 3- 2005 ، في مشيكان وقد لاحظت عليه
التعب الشديد وقد توقف عن الكتابة عشية الانتخابات العراقية ، وتفاقمت عليه
اوضاعه الصحية ، منها سقوطه واصابته بكسور في ايديه وارجله ، لم اشبع من ذلك
اللقاء الذي كان يلوذ بمدفاة البيت الذي التقيته . اطلت اللقاء اكثر مما كان
مقررا بسبب عودتهم الى كندا ، وكانت تلازمه والدته الرائعة صبيحة أم المناضلين
( كما سمتها نشرة رابطة المرأة العراقية في احد اعدادها اواسط الثمانينات ) ،
وساعدته مع اخيه الحبيب سلام في حمله ...... كان آخر ما عبر عنه هو شوقه الشديد
لبلدة ابائه واجداده القوش ، فلو قدر لي ان اراها ثانية ، اقطع امامه العهد في
رحيله المؤلم ، ان ازور كل الاماكن التي مررنا بها معا من بيتهم ، الى السوق ،
الى ماكنة الطحين ، طريق الدير ، ومواقع الحراسات ايام الشدة .
كل الصفات النادرة كانت متوفرة في الراحل من : البساطة ، المبدأية ، نبذ
المظاهر ، الشجاعة ، الطيبة ، والاخلاق ، تباركت تلك العائلة التي انجبت باسل ،
صبرا وسلوانا لوالدته ، ابنته سوزان ، اخوانه : سفر ، سلام ، خالد ، آزاد ،
واخواته : خلود وانصار والصديقة العزيزة د. كاترين ، عوائلهم واقربائهم جميعا
، لحزبه الشيوعي البطل ، لأسرة صحيفة اكد والزميل ماجد عزيزه ، لكل اصدقائه في
ربوع الوطن وفي المنافي .
طابت ذكراه وفي الخلود مثواه .
اميركا في 13- 4- 2005
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انا والمرحوم
ياسل عام 2002

من اليسار
سلام الصفار ، المرحوم باسل ، نبيل دمان ، د. كاترين الصفار ، كفاح سلمان دمان
والصورة في بيتنا عام 2002

من
اليسار المرحوم باسل ، لا اعرفه ، جوزيف توما توماس ، الشهيد يوسب جرجيس كريش ،
الشهيد عابد بولس قاشا ، الشهيد رافد اسحق حنونا والصورة في كردستان عام 1980

من
اليسار سمير توما توماس ، المرحوم باسل ، ناهي يوسف صارو ، رمزي ياقو توماس مع
ابنته ايفا ، ابو فلاح ( عنكاوا ) والصورة في دمشق عام 1983