قصتي مع صديقي الراحل باسل الياس الصفار


http://www.nohra.ca/Writers/Nabil%20Youns%20Daman/0035.htm  

 

بقلم نبيل يونس دمان

 

     في عام 1994 نشرت في جريدة صوت الاتحاد الديمقراطي العراقي وبمناسبة الذكرى الستين لتاسيس الحزب الشيوعي العراقي موضوعا بعنوان ( كنا اربعة ) تطرقت فيه الى حياة الشهيدين الخالدين حكمت كيكا تومي وعابد يوسف مرادو ، وكذلك احطت بحياة المناضل الثالث اخي وصديقي باسل الذي اختطفته يد المنون مساء الاحد المصادف 10- نيسان 2005 بعد صراع طويل مع سلسلة الامراض التي فتكت بجسده ، والتي ظل يقاومها بروح سمت بكل معاني الحب والتضحية والايمان بانتصار المثل العليا التي آمن بها ، صارع الحياة رغم وهن عضلاته وتلاشي قوته ، ببصيرة ثاقبة وقلب ظل ينبض لا يريد فراقها ، فرحل لينال الراحة الابدية التي افتقدها في حياته التي كانت شقاءاً وبؤسا ً ، ولكنها مكرسة لانبل واشرف قضية ، ولتبقى ذكراه خالدة ابدا ، اقتطف ما كتبته عنه عام 1994 :

         (( في بداية 1980 ضاق باسل ذرعاً بالاوضاع القائمة ، واعتبر ما يقوم به قليلاً وعليه ان يقدم اكثر ، فاسرع بحمل السلاح والالتحاق بفصائل الانصار المنتشرة في جبال كردستان العراق ، فكان موضع ترحيب واعتزاز رفاقه ومضى في تنفيذ المهام الموكولة اليه ، وبذل الجهود وفوق ما يتحمل جسده الذي لحقه الاذى ، فاضطر لمغادرة الوطن للعلاج . وودع من هم حوله بلحظات مؤثرة مذرفاً الدموع وملتفتاً الى ارض الوطن التي يغادرها على امل العودة بعد الشفاء . انتقل باسل من دولة الى اخرى ومن مستشفى الى آخر وتعقدت حالته الصحية اكثر فاكثر ، وجسمه لم يعد يقوى على حمله . تكلست فقراته ووهنت اطرافه وهو في ريعان الشباب متحملا آلامه وعذاباته ، متشبثاً بقوة الاستمرار والحياة التي وهبها صحته في سبيل حرية الوطن وسعادة الشعب )) .

     باسل الصفار المولود في القوش عام 1953 ، يصغرني بسنتين ، كنت اشاهده في معمل والده المرحوم الياس الصفار ، يعمل ليل نهار وهو مغبر من قمة راسه حتى اخمص قدميه ، بدقيق البـُر وبانواع المؤونة التي يجهد بأيديه الماهرتين توفيرها قوتا ً لابناء بلدته والقرى المحيطة ، كان باسل لا يتوان وهو ابن صاحب المعمل ، في حمل كل ما زاد وزنه ، بقوة ورشاقة ، واكتسب خبرة في الآلات التي يدار بها معمل الطحين ، وقضى باقي اوقاته في الدراسة والمطالعة التي كان شغوفا بها ، وبجانبه مكتبة اسرته التي كانت في السبعينات اكبر خزانة كتب في البلدة . في صيف عام 1970 تعرفت على باسل عن قرب في محلة اودو القديمة وعلى سطوح منازلها التي اضحت الان اطلالا ً ، هناك عرفته مؤمنا ً بقضية منحها جلّ وقته وكرس لها كل حياته ، وبعد ذلك التقينا اكثر في جامعة الموصل للفترة بين 1973- 1976 ، كنت اراه كتلة من الحماس والنشاط السياسي ، متعرضا ً باستمرار لاستفزازات البعث ومنظمته البوليسية ( الاتحاد الوطني ) ، اذكر في عام 1974 كنا نسكن غرفتين في بيت مقابل المجموعة الثقافية ، حيث سكن مع الزميل خليل الفيلي وانا سكنت مع سمير لطيف الامين ، وفي احد الايام اصطدمت مع احد المرتزقة الاردنيين واسمه ( ناصر النمري ) ، فخرج الطلبة من الغرف على صياحه العالي ، وهو يقول ان الشيوعيين يعتدون على بعثي ، تفأجات الحجية صاحبة البيت والجيران عندما تناهى الى سمعهم ما يقوله الاردني ، فطردنا من بيتها ، وسكن باسل فترة في بيت مقابل مقر الحزب في شارع النبي جرجيس ، اطلق عليه زملاءنا اسم ( الباستيل ) وقد ذكرني به صديقنا المشترك ناصر عكله في موضوع رثائه لباسل المعنون ( رحيل قديس من هذا الزمان ) ، وانا انتقلت الى منطقة الميدان الشعبية . وبعد حين استقر باسل في احد الاقسام الداخلية في المجموعة ، وهناك ايضا ًتعرض الى استفزازات عدة من قبل الاتحاد الوطني ، ومنع من ادخال جريدة " طريق الشعب " الى القسم ، ورغم ذلك اصر على ادخالها ، وفي بعض المرات كانت تنتزع منه وتمزق ، هكذا وفي تلك الاجواء فارقته لالتحق بالعسكرة الاجبارية بعد تخرجي عام 1976 .

      عند اشتداد حملة التصفية على الحزب الشيوعي ، اختفى باسل فترة ثم عاد للدراسة في قسمه الجيولوجي ، واصبحنا نلتقي نحن الاربعة مصممين على مواصلة النضال ضد الدكتاتورية ، واصبح باسل بجدارة ينسق تجمعنا الذي ضم كما ذكرت الشهيدين حكمت وعابد ، في احد الايام التقيت في الموصل مصادفة ، برفيق اسمه حسن السماوي تخرج مدرسا ً عام 1974، كان متنكرا يحوم حول موقف باصات القوش قرب البلدية ، تشجعت لاذهب واتكلم معه ، ومبعث ترددي كان شراء الاجهزة الامنية للعديد من العناصر التقدمية للايقاع بالآخرين ، ولكوني لست مختفيا عن الانظار ، ذهبت اليه ورحبت به ، فاختصر الكلام بالطلب ابلاغ باسل الصفار بوجوده في الموصل ، وانه ينتظره في المكان الفلاني  ( شقة عدي ابن خالة  د.مزاحم مبارك مال الله ) . عندما وصلت القوش ذهبت اخبر باسل بالموضوع ، فتحرك بسرعة ، وفي الاتجاه الصائب ليصل رفيقنا حسن بعد مدة بسلام ، ملتحقا ً بمواقع الانصار الشيوعيين في كردستان . لم يطل الوقت كثيرا حتى قرر باسل الالتحاق بالانصار فودعناه يوم 21- 3- 1980، وعندما كتب علي ان التحق ايضا يوم 26- 10- 1982 ، كانت المصادفة الجميلة ان نلتقي في قرية " بازي " بمنطقة برواري بالا ، وكان برفقة القائد توما توماس بعد عودتهم من منطقة سوران . في كلي ( وادي ) كوماته ، على الحدود التركية عشنا معا ، اتذكر في اول يوم انتقلت الى غرفتي الجديدة بجوار مقر حركة ( كوك ) كان باسل رغم آلام ظهره التي ما برحت تلازمه ، قد عبأ كمية من الحطب ، اقتطعها من الغابة المحيطة ، فحملها الينا لنلقم مدفأتنا السورية ، في ذلك الشتاء القارس ، فكانت احسن هدية قدمها لي صديقي الذي اصبح اسمه في الانصار " سعيد " .

      في ايار 1983 ومباشرة بعد هجوم " بشت آشان " الغادر ، شن الجيش التركي هجومه على مواقعنا ، اتذكر عندما اصبح الهجوم قاب قوسين او ادنى ، على كلي كوماته ، تقرر ان ترحل العوائل الى مناطق اكثر امنا ً في العمق ، اما المقاتلين فتاهبوا لمواجهة الجيش التركي ، في تلك الظروف الصعبة ، سمعت ابا جوزيف يطلب من باسل ان يرافق العوائل في انسحابها ، فرفض واصر على البقاء ، وجهز نفسه بسرعة ليرتقى احد المواقع متأهبا للمعركة ، ساظل اتذكر موقفه البطولي ما حييت . في رحلة مغادرتي الى سوريا عبر تركيا كان باسل يرافقنا ويحيط اطفالي اهتماما ، ومعه مجموعة مقاتلة توفر الحماية لرتلنا الذي ضم العوائل والمرضى وطلبة الدراسات ، اتذكر استطلاعه لمكان خطر لا يبعد كثيرا عن قوة ناحية باطوفة لجيش النظام ، وآخر فترة قضيناها معا كانت في وادي " كيشان " ، هناك بقينا اياما نتحدث ونحن على اعتاب فراق دام قرابة (16) سنة ، في كيشان ايضا كانت فرصته ان يلتقي بنصيرين من بلدة عنكاوا ( سربست و بختيار ) ، كان قد تعرف عليهم في فترة سابقة في قاطع سوران .

    استقر بي المقام في اليمن وتواصل اتصالنا بالرسائل ، ووصلتني اكثر اخباره عن طريق فرقة الطريق التي غنت في سوريا ، ومن عضو الفرقة انذاك الصديق نبيل فيليب البازي . عندما استقر في الدراسة في بلغاريا ظل يراسلني ، وفي احد الايام وصلتني منه هدية لاطفالي ، وقد ظلوا على لسانه وخواطره ، لا سيما واني سميت ابنتي الثانية ( ريلا ) عام ولادتها في 1981 بمبادرة منه ، وابنتي الكبيرة لينا ، كان دائما يناديها في كلي كوماته بطريقة فلاحية لطيفة للغاية ( لينـَو ) ، ولا انسى عندما كان يقلد صوت راعي الاغنام من القوش ، يقف في بيادر محلة سينا ، مناديا الشيوعيين ، بالقدوم وانقاذهم من قطعان البعث ، اولئك الغرباء عن المحيط الانساني .

     بعد استقراري في اميركا بعد عام 1990 ، واخي باسل في كندا ، صرت ارنو الى لقائه بحرقة ، ولكن ذلك لم يتم الا في عام 1999 بعد حصولي على وثائق قبلت فيها لاجئا في اميركا ، لن انسى وضعه الصحي الذي آل اليه ، وتعجبت كيف يعيش بذلك الجسد المطروح على الفراش ، كان لا يستطيع مسك القلم او سماعة الهاتف ، وهو في ذلك الوضع الذي لم ار شبيها له ، نهض يطالع ويكتب ويتفاعل ، ويبرز كاتبا وصحفيا لامعا ، في مجلات وصحف محترمة مثل رسالة العراق ، المؤتمر ، المنتدى ، واخيرا أكد التي منحها عصارة فكره ونضجه في المسائل الوطية والقومية ، فاصبح رئيسا لتحريرها ، وهو يجهد ويسابق الزمن في التعبير عن افكاره التتقدمية وتطلعه لغد اسعد لشعبه .هكذا قضت الايام ان نلتقي بين فترة واخرى هنا في اميركا او كندا ، وكان آخر لقائي به قبل شهر وتحديدا يوم 6- 3- 2005 ، في مشيكان وقد لاحظت عليه التعب الشديد وقد توقف عن الكتابة عشية الانتخابات العراقية ، وتفاقمت عليه اوضاعه الصحية ، منها سقوطه واصابته بكسور في ايديه وارجله ، لم اشبع من ذلك اللقاء الذي كان يلوذ بمدفاة البيت الذي التقيته . اطلت اللقاء اكثر مما كان مقررا بسبب عودتهم الى كندا ، وكانت تلازمه والدته الرائعة صبيحة أم المناضلين ( كما سمتها نشرة رابطة المرأة العراقية في احد اعدادها اواسط الثمانينات ) ، وساعدته مع اخيه الحبيب سلام في حمله ...... كان آخر ما عبر عنه هو شوقه الشديد لبلدة ابائه واجداده القوش ، فلو قدر لي ان اراها ثانية ، اقطع امامه العهد في رحيله المؤلم ، ان ازور كل الاماكن التي مررنا بها معا من بيتهم ، الى السوق ، الى ماكنة الطحين ، طريق الدير ، ومواقع الحراسات ايام الشدة .

      كل الصفات النادرة كانت متوفرة في الراحل من : البساطة ، المبدأية ، نبذ المظاهر ، الشجاعة ، الطيبة ، والاخلاق ، تباركت تلك العائلة التي انجبت باسل ، صبرا وسلوانا  لوالدته ، ابنته سوزان ، اخوانه : سفر ، سلام ، خالد ، آزاد ، واخواته  : خلود وانصار والصديقة العزيزة د. كاترين ، عوائلهم واقربائهم جميعا ، لحزبه الشيوعي البطل ، لأسرة صحيفة اكد والزميل ماجد عزيزه ، لكل اصدقائه في ربوع الوطن وفي المنافي .

 طابت ذكراه وفي الخلود مثواه .

 اميركا في 13- 4- 2005

nabeeldamman@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انا والمرحوم ياسل عام 2002

 

 

 من اليسار سلام الصفار ، المرحوم باسل ، نبيل دمان ، د. كاترين الصفار ، كفاح سلمان دمان والصورة في بيتنا عام 2002

 

 من اليسار المرحوم باسل ، لا اعرفه ، جوزيف توما توماس ، الشهيد يوسب جرجيس كريش ، الشهيد عابد بولس قاشا ، الشهيد رافد اسحق حنونا والصورة في كردستان عام 1980

 من اليسار سمير توما توماس ، المرحوم باسل ، ناهي يوسف صارو ، رمزي ياقو توماس مع ابنته ايفا ، ابو فلاح ( عنكاوا ) والصورة في دمشق عام 1983


الموقع الفرعي  في نوهرا : نبيل يونس دمان

nabeeldamman@yahoo.com

ارسل برايك الى كاتب المقال

 

views and opinions expressed in guest editorials do not necessarily reflect the views and opinions of nohra assyrian media online.

 

   COPYRIGHT G  2004 ASSYRIAN CULTURAL ASSOCIATION OF CANADA.  ALL RIGHTS RESERVED.