ما بَرحَ شلالُ الدم ِ، يسيلُ من جسدِ وطني
، يعتصُرني الألمُ ، في نهايةِ النهار، أخلدُ الى الراحة ، ينتابُني القلقُ
والترقب ، أستسلمُ للقدر ، أنامُ وملئ جفوني الأرق ، تغزوني الكوابيسُ تارة ً ،
وأخرى الأحلامُ الجميلة ، أفيقُ مع تباشير الصباح ، فتغمُرني شَمسُه الدافئة ،
التي ترسل أشعتها الى كُل الاوطان ، فيسري في الأجساد دبيبُ الحياة والأمل ِ،
إلا وطني المعذب ، وطن النهرين والنخيل ِ، وطن الحضارة الأصيل ِ ، أنتظرُ في كل
غدٍ ، لعلها البشائرُ تأتي عِبر الأثير، لتـُخبرني بإشراقةٍ جديدة ، ترفعُ
الغبنَ عن بلادي ، تسبق الريح ، وتمضي نحو المستقبل السعيد . فتظهرُ أقواسُ قزح
ٍ، من كل الألوان ِ ، تتلألأ ُ على ريش الأطيار ِ ، تسكُبها السماءُ على الارض
، فيسرحُ الاطفال ويمرحُ الناس ، على السهول ِ ، فوق الجبال ِ، وفي الصحارى ،
خالية من الانفجارات ِ، والموت بالصدفة ، أو مع سبق الإصرار . يا أحلامي
الوردية ، لا تـُفارقيني ، حتى بلوغ الحال الذي فيه الإستقرار، فتجنحُ سفينة ُ
العراق عبرَ بحرٍ متلاطم الامواج ، الى شاطئ الأمان ِ.
لماذا تموتُ الناس هكذا في كل حين ، ما هي
المعصية ، وبأية جـِناية ، وما الذي إرتكبوه ، حتى يحزنُ الرجال ، تترملُ
النساء ، ويتيتمُ الاطفال ، لماذا يغادرُ أحِبـّتنا هذه الارض في غير ِ أوانهم
، دون ان يكملوا الرسالة التي حَملوها في ولادتهم ، لتضيف شيئا جديدا ومتميزاً
، الى الصَرح الحضاري الشامِخ على مرّ العصور ، الى متى وأهلنا طعم للبارود
والحديد ، لماذا تتناثر اجسادهم كل يوم ، هل ضاقت سُبل العيش ِ بهم فيَهلكون
بعضَهم بعضا ً ؟ هل مواردُ الارض لا تكفي لإسعادِهم ؟ ام هو البكاء على الماضي
، ومحاولة ارجاع دولاب الزمن ، مهما بلغ الثمن .
الماضي لن يعود ، وضربات ( ابو تحسين )
بالنعال ، ستبقى ماثِلة امامَ أعين ِ ، مُروجّي بـِضاعة الموت والدمار، لقد مضى
صاحبُ الصنم الى نهايته الطبيعية ، وجسدُه العفن الذي ينخرُ فيه الدودَ الآن ،
لن يمد في عُمر دكتاتورٍ جديد ، لن تعود الأيام الخوالي ، الى عصر المظالم
والاستغلال ِ ، المجازر الجماعية ، الحروب العبثية ، كظمُ الانفاس ، حَصر
الهواء ، ومنعُ استنشاقه على الناس . لقد استباحَ البعث فاشي وطننا في غفلة من
الزمن ، وانتشرَ كما ينتشرُ الطاعونَ ، واليوم يحاول أيتامُ صدام المقبور في كل
أعمالهم الشرّيرة ، إرجاع الماضي وزرع الفِتن ِ ، بالتأكيد لن يحصِدوا شيئاً ،
سِوى تدمير أنفـُسِهم وعوائِلهم ، والأكثرُ من ذلك ، الخيبة والخذلان في خاتمة
المطافِ . أولئك المتباكونَ على الدكتاتور في موتِه الذي إستحَقه ، سيأتِ الوقت
الذي فيه ، يدسّون رؤوسَهم في التـُراب ، خجلاً من شعوبـِهم ، تمعّنوا بما
تعنيه صورة الملك الراحل حسين بن طلال ، وهو يطلق الرصاص بإتجاه ايران ، في
الثمانينات من القرن الماضي ، ألا يحرجُ ذلك الموقف عائِلته المالكة ، ماذا لو
كان حيا ً، ليرى وينظرَ بمِنظار اليوم .
الى أيتام النظام السابق ، من العصابات
المجرمة ، الى مُرتكبي الجرائم بالقـُطعة ، الى عابري الحدود من المرتزقة ،
المحشوة أدمِغتهم أوهاما ً، الى جيش المهدي ( الأولياءُ الصالحون ، الأنبياء ،
ورُسل السماء ، ليسوا بحاجة الى جيوش او قوات ) لهؤلاء جميعا ً أثبت قولي ، بأن
طريقَ العراق الجديد ، لن يُفضي إلا الى الحرية والسلام ، الى الأمان
والديمقراطية ، ذلك الطريق لا محيد عنه ، فعندما تقطع المسافة الدموية التي
تـُفصلنا ، هناك سيُشيّد وطناً قوياً معافيا ، تستخلصُ الأجيالُ مما مضى العبرَ
والدروس ، ليمضوا الى الأمام ، والى أزمنة قادمة ، تفيضُ عُصارة فِكرهم ، وجمال
ذوقِهم ، في هندسة وبناء ، ما تـُعجب به أمَمُ الارض .
سِقتُ تلك المقدمة ، لأعود الى بلدتي
الصغيرة ( القوش ) في شمال العراق ، والتي تضربُ جذورها عميقاً في تربةِ
النهرين الخالدين . لم تعتدي على أحد في تأريخها ، بل وبإستمرار تتلقى الضربات
، فقسماً منها تبقى تحزّ في النفوس ، وقسماً تـُرد وحسب الإمكانية والظروف ،
بلدتي في عَصرها الحديث ، لم تـُؤسس ميليشيات مسلحة ، ولا عصابات قتل أو سرقة ،
انما كانت تـُنظم الدفاعات عن نفسها ، وبشكل فردي وطوعي ، كان البعض يتركُ
حياتـَه الناعِمة ، ليتحملُ مشاقَ الجبال في التصدّي للظالمين ، مثال ذلك
الفقيد البطل توما توماس . في هذه الايام الفاصلة لا يمرُّ اسبوعٌ ، إلا ونكبة
جديدة تقع لأهلنا في القوش ، تلحق بالبلدة ضرباتٍ مُتعددة ، في قتل العشرات من
ابنائها وبناتها في مُدن الموتِ : بغدادَ ، البصرة ، الموصل ، وكركوك ، لا
لذنبٍ اقترفوه ، بل وقود لصراع طائفي ، يجتاحُ البلادَ ويشتد يوماً بعد يوم .
عندما أشعل الدكتاتور المقبور حربه المجنونة ضد ايران ، صارت تصل الى القوش
وغيرها ، مواكبُ القتلى والجرحى ، وآخرون وقعوا أسرى ومفقودين الى الأبد ،
والهاربون الى الجبال ، نال العديد منهم شرف الإستشهاد ِ . يُؤسفني جدا ً القول
" ما أشبه اليوم بالبارحة " . أولادنا في المدن العراقية ، هم مثال الاخلاق
والخلق ِ، إنهم بُناة ٌ رغم الصِعاب ، ورسلُ المحبة والسلام ، فأبعِدوا سِهامكم
عنهم ، وتوقفوا عن أيذائهم ، أستصرخ ضمائركم ، وأثير نخوتكم ، ان تساعدوهم ،
وتبعدوهم عن بـُؤر القتل ِ والخطف والاعتداء .
ماذا اقترفـَت إبنة ُ صديقي الشابة
اليانِعة ، سالي متي سكماني ( 21 سنة ) ، حتى تلقى حتفها امامَ عشـّها الزوجي
في البصرة ، فيفتقدها زوجها المسكين رومان نوئيل ، في غمضة عين ٍ ، وتنوحُ
إبنتها الصغيرة ، بَحثا عن أمّها ، ولكن هيهات ان تجـِدها . أيا جامعة البصرة
الأبية : إرفعي صوتك عالياً ، إسألي عن سالي ، تلك الوردة الجامعية التي قتلت ،
فتركت مقعدها في السنة الأخيرة فارغا ً ! وهي ضيفة ُ البلدة القوش ، في ثغرِ
العراق ، الذي كان يوما ً باسما ً !! . تخيلوا يا أهلَ البصرة الطيبين ، لو
كانت بضعة عوائل منكم بين ظهرانينا ، هل كُنا نـَسمح بوقوع ِ اعتداءٍ او ضيم ٍ
عليهم ؟ أبقى مُردداً هذا السؤال ؟ .
العزيمة والصبر لصديقي متي ميخا ، للاستاذ
بنيامين ميخا ، لزوج الفقيدة الغالية ، ، لأهلها وأصدقائها ، لهم جميعا ً ،
القوة والسلوان ، في تحمل المصاب الجلل.